الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

253

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الحقّ واحدا حلف وحده وإن كان أصحاب الحقّ جماعة حلفوا جميعا واستحقّوا . ولم يقل أحد أنّه إن كان صاحب الحقّ واحدا يحلف معه من ليس بمستحقّ ، ولا إن كان صاحب الحقّ ثلاثة فأكثر أن يحلف اثنان منهم ويستحقّون كلّهم . فالاقتصار على اثنين في أيمان الأوليين ناظر إلى قصّة سبب النزول ، فتكون الآية على هذا خاصّة بتلك القضية . ويجري ما يخالف تلك القضية على ما هو المعروف في الشريعة في الاستحقاق والتهم . وهذا القول يقتضي أنّ الآية نزلت قبل حكم الرسول صلى اللّه عليه وسلّم في وصية بديل بن أبي مريم . وذلك ظاهر بعض روايات الخبر ، وفي بعض الروايات ما يقتضي أنّ الآية نزلت بعد أن حكم الرسول - عليه الصلاة والسلام - وحينئذ يتعيّن أن تكون تشريعا لأمثال تلك القضية ممّا يحدث في المستقبل ، فيتعيّن المصير إلى الوجه الأول في اشتراط كون الأوليين اثنين إن أمكن . وبقيت صورة لم تشملها الآية مثل أن لا يجد المحتضر إلّا واحدا من المسلمين ، أو واحدا من غير المسلمين ، أو يجد اثنين أحدهما مسلم والآخر غير مسلم . وكلّ ذلك يجري على أحكامه المعروفة في الأحكام كلّها من يمين من قام له شاهد أو يمين المنكر . والمشار إليه في قوله : « ذلك أدنى » إلى المذكور من الحكم من قوله تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ - إلى قوله - إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ . و أَدْنى بمعنى أقرب ، والقرب هنا مجاز في قرب العلم وهو الظنّ ، أي أقوى إلى الظنّ بالصدق . وضمير يَأْتُوا عائد إلى « الشهداء » وهم : الآخران من غيركم ، والآخران اللذان يقومان مقامهما ، أي أن يأتي كلّ واحد منهم . فجمع الضمير على إرادة التوزيع . والمعنى أنّ ما شرع اللّه من التوثيق والضبط ، ومن ردّ الشهادة عند العثور على الريبة أرجى إلى الظنّ بحصول الصدق لكثرة ما ضبط على كلا الفريقين ممّا ينفي الغفلة والتساهل ، بله الزور والجور مع توقّي سوء السمعة . ومعنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ : أن يؤدّوا الشهادة . جعل أداؤها والإخبار بها كالإتيان بشيء من مكان . ومعنى قوله عَلى وَجْهِها ، أي على سنّتها وما هو مقوّم تمامها وكمالها ، فاسم الوجه في مثل هذا مستعار لأحسن ما في الشيء وأكمله تشبيها بوجه الإنسان ، إذ هو العضو الذي يعرف به المرء ويتميز عن غيره . ولمّا أريد منه معنى الاستعارة لهذا المعنى ،